الذكاء الاصطناعي والابتكار

كندا تطلق استراتيجية «AI for All»: الانتقال الصعب من الريادة البحثية إلى التطبيقات السيادية

أعلنت الحكومة الكندية عن استراتيجيتها الوطنية الجديدة للذكاء الاصطناعي، التي تركز على "الثقة والفرص والسيادة"، في محاولة لتحويل التفوق البحثي إلى مكاسب اقتصادية واسعة النطاق.

الحدث: كندا تطلق الاستراتيجية الوطنية «الذكاء الاصطناعي للجميع»

في عام 2025، أعلنت الحكومة الكندية رسميًا عن الإصدار الجديد من «الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي: الذكاء الاصطناعي للجميع». صدرت هذه الوثيقة الاستراتيجية عن وزارة الابتكار والعلوم والتنمية الاقتصادية (ISED)، وتقوم على ثلاث قيم أساسية هي «الثقة والفرصة والسيادة»، بهدف دفع التطبيق الواسع للذكاء الاصطناعي في المجتمع الكندي عبر ست ركائز. الهدف الاستراتيجي واضح للغاية: جعل الذكاء الاصطناعي في خدمة جميع الكنديين، وليس العكس.

تتضمن الركائز الست: حماية الكنديين والديمقراطية، وضمان أن يمكِّن الذكاء الاصطناعي الكنديين، وتعزيز تطبيقات الذكاء الاصطناعي لتحقيق الازدهار المشترك، وبناء أساس كندي سيادي للذكاء الاصطناعي، وتوسيع نطاق الشركات الكندية الرائدة، وإقامة شراكات موثوقة وتحالفات عالمية. وهذه الركائز ليست مصممة بشكل منعزل، بل تنتظم حول سلسلة منطقية واحدة: الثقة تجعل التبني ممكنًا، والفرصة والسيادة تضمنان أن يحقق التبني فوائد طويلة الأجل.

وقد أشار خطاب الوزير بشكل خاص إلى عدة سيناريوهات تطبيقية: طبيب قلب أطفال في هاليفاكس يستخدم الذكاء الاصطناعي لتشخيص النفخات القلبية عند الأطفال حديثي الولادة، وشركة Croptimistic الكندية تساعد المزارعين على رسم خرائط دقيقة للتربة لتقليل استخدام الأسمدة وزيادة الإنتاجية، كما يساعد الذكاء الاصطناعي شركات التصنيع المتقدم وقطع غيار السيارات والتعدين في الحفاظ على قدرتها التنافسية وسط اضطرابات التجارة العالمية. وتحاول هذه الأمثلة أن تُظهر أن الذكاء الاصطناعي ليس مفهومًا مجردًا، بل إنه يعمل بالفعل على تحسين حياة الكنديين.

الأسباب العميقة: «منطقة الصدع» بين الابتكار والتبني

تُعد كندا قوة بحثية معترفًا بها عالميًا في مجال الذكاء الاصطناعي. فالحائز على جائزة نوبل جيفري هينتون، والحائزان على جائزة تورينج يوشوا بنجيو وريتشارد ساتون — «العرابون الثلاثة للذكاء الاصطناعي» — جميعهم باحثون كنديون. تمتلك كندا برامج جامعية رائدة عالميًا ومعاهد وطنية للذكاء الاصطناعي، بل إنها تضم أيضًا واحدة من الشركات القليلة التي تمتلك نماذج متطورة في هذا المجال. ومع ذلك، لم تتحول ميزة الابتكار تلقائيًا إلى ميزة اقتصادية.

تكشف البيانات واقعًا قاسيًا: ففي الفترة من منتصف 2024 إلى منتصف 2025، لم يستخدم سوى 12% من الشركات الكندية الذكاء الاصطناعي لإنتاج سلع أو خدمات، ولم تخطط سوى 14.5% لاستخدامه بحلول عام 2026. أما وضع الشركات الصغيرة والمتوسطة فأسوأ، حيث لم تتبنَّ سوى 8% منها الذكاء الاصطناعي، متخلفة بفارق كبير عن دول الشمال الأوروبي (من 29% إلى 42%) وألمانيا (26%) وفرنسا (18%). وتبلغ نسبة الانتشار على مستوى الأفراد 37%، لتحتل المرتبة 15 عالميًا، لكنها ما تزال متخلفة عن دول مثل الإمارات وسنغافورة والنرويج.

أما المشكلة الأعمق فتتمثل في الثقة والمهارات. وفقًا لدراسة عالمية حول الثقة أجرتها KPMG وجامعة ملبورن، تحتل كندا المرتبة 44 في التدريب والإلمام بالذكاء الاصطناعي، والمرتبة 42 في الثقة، من بين 47 دولة. لم يتلقَّ سوى 24% من الكنديين أي تدريب على الذكاء الاصطناعي، وأقل من 40% يقولون إن لديهم معرفة معينة بالذكاء الاصطناعي، وأقل من نصفهم يثقون في قدرتهم على استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي بفعالية. بل إن المشاعر العامة تتجه نحو السلبية: 34% يعتقدون أن الذكاء الاصطناعي مفيد للمجتمع، و36% يرون أنه ضار، ونصفهم يعتقدون أن الذكاء الاصطناعي يشكل تهديدًا للإنسانية.هذا الانقطاع بين "الابتكار القوي والتبني الضعيف" هو السبب الجذري لإطلاق الاستراتيجية. ما تفتقر إليه كندا ليس التكنولوجيا، بل البنية التحتية الاجتماعية اللازمة لتطبيق التكنولوجيا فعليًا — بما في ذلك التدريب على المهارات والثقة العامة والبنية التحتية الرقمية السيادية.

التأثير على الصناعة: القفزة من المختبر إلى المصنع

تضع استراتيجية "الذكاء الاصطناعي للجميع" التبني صراحةً في صميم تحقيق الفوائد. وهذا يعني أن موارد السياسات المستقبلية ستميل نحو التطبيقات، وليس مجرد دعم الأبحاث. بالنسبة للصناعة الكندية، سيترتب على ذلك عدة تأثيرات:

أولاً، ستصبح الشركات الصغيرة والمتوسطة محور الدعم. ونظرًا لأن معدل تبني الذكاء الاصطناعي لدى الشركات الصغيرة والمتوسطة يبلغ 8% فقط، فمن المرجح أن تطلق الاستراتيجية حوافز مستهدفة وبرامج تدريبية وأدوات منخفضة الحواجز لمساعدتها على تحقيق التحول الرقمي. وستستفيد القطاعات ذات الأولوية مثل التصنيع المتقدم والزراعة والرعاية الصحية والطاقة النظيفة أولاً.

ثانيًا، سيؤدي بناء البنية التحتية السيادية للذكاء الاصطناعي إلى تحفيز نفقات رأسمالية جديدة. لا تزال القدرة الحاسوبية السيادية لكندا في مراحلها الناشئة، وتعتمد على خدمات الحوسبة السحابية والرقائق من موردين أجانب. تشير الاستراتيجية إلى "بناء أساس سيادي للذكاء الاصطناعي في كندا"، مما يعني أن الحكومة قد تستثمر في إنشاء مراكز حوسبة محلية وسلاسل توريد للرقائق وبنية تحتية للطاقة. وبالنظر إلى أن شبكة الكهرباء الكندية من بين الأنظف في العالم، فإن الكهرباء منخفضة التكلفة ومنخفضة الكربون التي توفرها الطاقة النظيفة للذكاء الاصطناعي ستصبح ميزة تنافسية رئيسية.

ثالثًا، قد تزداد بيئة ريادة الأعمال والاستثمار في مجال الذكاء الاصطناعي نشاطًا. فقد جمعت الشركات الكندية للذكاء الاصطناعي أكثر من 37 مليار دولار كندي من رأس المال الاستثماري، وتضم أكثر من 3500 شركة ذكاء اصطناعي نشطة. ركيزة "توسيع الشركات الكندية الرائدة" في الاستراتيجية قد تساعد هذه الشركات على الانتقال من السوق المحلية إلى العالمية من خلال المشتريات الحكومية ودعم الصادرات والشراكات العالمية.

الأهمية بالنسبة لكندا: الذكاء الاصطناعي السيادي وتصدير القيم

الأهمية الاستراتيجية لهذه الاستراتيجية تتجاوز بكثير البعد الاقتصادي. في ظل تصاعد التنافس الجيوسياسي العالمي، جعلت كندا "السيادة" صراحةً ركيزة أساسية. وهذا يعني أن كندا لن تكتفي باستخدام الذكاء الاصطناعي فحسب، بل ستحظى أيضًا بالاستقلالية في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي والمعايير التقنية ونماذج الحوكمة، للحد من الاعتماد على الأنظمة التقنية للدول الأخرى.

المعضلة التي تواجهها كندا هي: في سلسلة قيمة الذكاء الاصطناعي من الطاقة والرقائق إلى الحوسبة والنماذج والتطبيقات، لكندا حضور في كل مستوى، لكن هناك اعتماديات كبيرة — تصنيع رقائق الرسوميات (GPU) يتم بالكامل تقريبًا في الخارج، والقدرة الحاسوبية السيادية غير كافية. إن تركيز الاستراتيجية على "الذكاء الاصطناعي السيادي" يهدف جوهريًا إلى بناء نظام بيئي تقني يتماشى مع القيم الكندية ويمكن التحكم فيه ذاتيًا.

في الوقت نفسه، تضع كندا "حماية الديمقراطية" و"حماية الكنديين" في مقدمة الاستراتيجية، مما يعكس المخاوف بشأن المعلومات المضللة وانتهاك الخصوصية وأمن المؤسسات الديمقراطية. اختارت كندا في حوكمة الذكاء الاصطناعي مسارًا وسطًا مختلفًا عن النهج الأمريكي القائم على عدم التدخل وأيضًا عن التنظيم الأوروبي الصارم: التأكيد على "المسؤولية والأمان والسيادة"، وبناء قدرة تنافسية طويلة الأجل من خلال الثقة.هذا التموضع قد يجعل من كندا الممثل العالمي لـ«الذكاء الاصطناعي القائم على الثقة». إذا نجحت الاستراتيجية، فلن تكتفي كندا بتصدير تقنيات ومنتجات الذكاء الاصطناعي، بل قد تقدم أيضًا نموذجًا عالميًا لحوكمة الذكاء الاصطناعي يقوم على الثقة، ليصبح مرجعًا تحتذي به الدول الأخرى.

الاتجاه العالمي: سباق الذكاء الاصطناعي يدخل مرحلة «الثقة أولًا»

إن «الذكاء الاصطناعي للجميع» ليس مجرد سياسة محلية معزولة، بل هو إشارة إلى دخول سباق الذكاء الاصطناعي العالمي مرحلة جديدة. في العقد الماضي، كانت الدول تتنافس على الريادة في أبحاث الذكاء الاصطناعي؛ أما في العقد القادم، فسوف ينتقل التنافس إلى سرعة التبني، ومستوى الحوكمة، والسيادة على البنية التحتية.

تعكس الاستراتيجية الكندية إجماعًا عالميًا: الميزة التنافسية في الذكاء الاصطناعي لا تعتمد فقط على قدرات النماذج، بل أيضًا على ما إذا كان المجتمع قادرًا على الثقة بالذكاء الاصطناعي واستخدامه على نطاق واسع. أي مجتمع يعاني من انخفاض الثقة وانخفاض المعرفة الرقمية، مهما تقدمت تقنياته، لن يتمكن من تحويل الابتكار إلى إنتاجية. وهذا هو بالضبط العائق الذي تسعى كندا إلى كسره.

علاوة على ذلك، أصبح بناء البنى التحتية السيادية للذكاء الاصطناعي محورًا جديدًا للتنافس بين القوى الكبرى. فالاتحاد الأوروبي واليابان والهند وغيرها من الاقتصادات تستثمر في القدرة الحاسوبية المحلية، وكندا ليست استثناءً. ومن يتمكن من إقامة بنية تحتية للذكاء الاصطناعي مستقلة وذات سيادة في وقت مبكر، سيحتل موقعًا أكثر فائدة في المشهد التجاري العالمي.

منظور طويل الأمد: ما يستحق المتابعة المستمرة

ما يستحق المتابعة على المدى الطويل حقًا هو ما إذا كانت كندا قادرة على بناء جسر بين «الريادة البحثية» و«التأخر في التبني». في العقد الماضي، أثبتت كندا قدرتها على إنتاج أبحاث بمستوى عالمي؛ وفي العقد القادم، يجب أن تثبت قدرتها على تحويل هذه الأبحاث إلى منتجات وخدمات واسعة الاستخدام. وهذا يتطلب جهودًا متضافرة من الحكومة والشركات والمؤسسات التعليمية والجمهور، فضلًا عن استثمار مستمر وابتكار مؤسسي.

هناك نقطة استراتيجية أخرى وهي وتيرة الاستثمار في البنى التحتية السيادية للذكاء الاصطناعي. تمتلك كندا الطاقة النظيفة والاستقرار السياسي والاقتصاد المفتوح، وكلها عوامل مواتية لبناء مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي. إذا تمكنت كندا من الجمع بعمق بين الطاقة النظيفة والحوسبة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، فمن المرجح أن تصبح موردًا مهمًا للقدرة الحاسوبية العالمية، وبالتالي تغير وضعها الحالي القائم على الاعتماد على البنى التحتية الخارجية.

في النهاية، تكمن الأهمية الاستراتيجية لمبادرة «الذكاء الاصطناعي للجميع» في أنها تسعى إلى جعل الذكاء الاصطناعي حجر الأساس للازدهار الاقتصادي والرفاه الاجتماعي في كندا، وليس مجرد أداة تخدم نخبة صغيرة أو شركات متعددة الجنسيات. نجاح هذا المسعى سيحدد المكانة الدولية لكندا في عصر الذكاء الاصطناعي، وسيقدم للدول الأخرى نموذجًا تجريبيًا حول «كيفية تطوير الذكاء الاصطناعي على أساس الثقة».

---

المرجع: Canada’s National Artificial Intelligence Strategy: AI for All

مسار الأدلة · canadatechdaily

تضع canadatechdaily هذه الملاحظة ضمن تقنية كندا / الذكاء الاصطناعي والابتكار / تقنية الطاقة النظيفة: تقنية كندا / الذكاء الاصطناعي والابتكار / تقنية الطاقة النظيفة يوضح الزاوية التحريرية المحلية. ينبغي فتح روابط المصادر قبل إعادة استخدام الملخص؛ ما زالت التواريخ والأسماء وتغيرات الحالة تحتاج إلى تحقق.

Source links

  1. https://ised-isde.canada.ca/site/ised/en/canadas-national-artificial-intelligence-strategy-ai-allPrimary

مقالات ذات صلة

العودة إلى القناة